
في هذا التقرير ، نقرأ أن مصطلح “إرهابي الحفاضات” يبدو مضحكاً ظاهرياً، لكن وراءه تكمن الحقائق المروعة لاستخدام الأطفال في الحروب والعمليات الإرهابية والدعاية؛ أطفال يتم إعطاؤهم أسلحة وأحزمة ناسفة في أذرعهم بدلاً من الذهاب إلى المدرسة.
أظهر التقرير التحليلي الذي أعدته وكالة أنباء آسيا نيوز إيران، والذي يتضمن تعريفاً دقيقاً لهذا المصطلح، وأمثلة موثقة من تنظيم داعش، وجماعة بوكو حرام، وحركة الشباب، وحركة طالبان، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، ومراجعة للأطر القانونية الدولية مثل اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري، ودراسة للعواقب النفسية والاجتماعية على الأطفال الضحايا، وتحليل لمواقف مؤسسات مثل اليونيسف، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، أن هؤلاء الأطفال ليسوا في الواقع “عملاء” للإرهاب، بل هم “ضحايا” لجرائم أمراء الحرب والمتطرفين؛ وهي جريمة صنفها القانون الدولي كجريمة حرب، ويدعو إلى محاكمة مرتكبيها ومؤيديها.
قد يبدو مصطلح “إرهابي الحفاضات” ساخرًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته معنى أعمق وأكثر رعبًا، فهو يجسد صورة طفل ما زال يرتدي الحفاضات، ولكنه يظهر في مقاطع فيديو دعائية لجماعات متطرفة حاملًا سلاحًا أو حزامًا ناسفًا أو حتى جلادًا؛ طفلٌ حُوِّل إلى “أداة حرب”، لا إلى مادة للسخرية. يركز هذا التقرير على هذه الفئة الثانية: الأطفال الذين وقعوا في أتون صراعات لم يختاروها ولم يفهموا سبب خوضها.
بين عامي 2005 و2022، تم تسجيل أكثر من 105000 طفل رسميًا على أنهم “مستخدمون” أو “مستغلون” في النزاعات المسلحة حول العالم؛ وهو رقم تؤكد اليونيسف نفسها أنه ليس سوى الجزء المسجل من الحقيقة، ومن المرجح أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثير.
لا تقتصر هذه الظاهرة على منطقة واحدة أو أيديولوجية واحدة؛ فمن الجماعات العرقية الجهادية والمتطرفة إلى المقاتلين الماركسيين والميليشيات المحلية، لعب الجميع دورًا في هذه الدورة.
في الشرق الأوسط، يُعد تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) أحد أبرز الأمثلة. أطلق التنظيم برنامجاً يُسمى “أشبال الخلافة” قام فيه بتدريب الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً تدريباً عسكرياً وأيديولوجياً بشكل منهجي، وظهروا في مقاطع فيديو عنيفة كقناصة أو جلادين أو مقاتلين في الخطوط الأمامية.
إلى جانب تنظيم داعش، فإن التقارير التي تتحدث عن تجنيد المراهقين من قبل بعض الجماعات الكردية المسلحة، والاستخدام الرمزي للأطفال في الاستعراضات والدعاية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ووجود الأطفال في الإنتاجات الإعلامية للجماعات المسلحة مثل كومالا والحزب الديمقراطي، ترسم صورة للطيف الممتد من الاستغلال الدعائي إلى المشاركة المباشرة في القتال.
في أفريقيا، اتخذت قصة “الجندي الطفل” القديمة والمريرة أبعادًا جديدة. فقد اختطف جيش الرب للمقاومة في أوغندا ووسط أفريقيا آلاف الأطفال، ودربهم قسرًا على الخدمة العسكرية، وأجبرهم على المشاركة في عمليات القتل والتعذيب. أُدين القائد دومينيك أونغوين، الذي اختُطف هو نفسه في طفولته، بعد سنوات من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جريمة حرب تجنيد الأطفال، وهو حكم تاريخي وجّه رسالة واضحة إلى أمراء الحرب الآخرين مفادها أن استخدام الأطفال لا يمنحهم حصانة.
ابتكرت جماعة بوكو حرام في نيجيريا شكلاً آخر من أشكال هذه الجريمة: استخدام الأطفال – وخاصة الفتيات المراهقات – كـ”قنابل بشرية”. ووفقًا لمنظمة اليونيسف، في عام 2017 وحده، استخدمت بوكو حرام ما لا يقل عن 83 طفلاً في هجمات انتحارية، حيث تم ربطهم بأحزمة ناسفة وتفجيرهم إلى أشلاء مع الضحايا.
في الصومال، ظلت حركة الشباب مدرجة على القائمة السوداء للأمم المتحدة لسنوات باعتبارها واحدة من أسوأ منتهكي حقوق الطفل في النزاعات المسلحة، وقامت بتجنيد مئات الأطفال كمقاتلين وجواسيس.
في جنوب آسيا، تُعدّ حركة طالبان الأفغانية مثالاً واضحاً على تجنيد الأطفال. فقد أصبحت المدارس الدينية في المناطق الفقيرة مرتعاً لأجيال جديدة من المقاتلين؛ لدرجة أنه في الأيام التي أعقبت سقوط كابول عام 2021، كان التواجد البارز لشخصيات مسلحة تتراوح أعمارها بين 14 و17 عاماً إلى جانب قوات طالبان البالغة في الشوارع بمثابة شكل من أشكال “تطبيع” تجنيد الأطفال. كما تُظهر التقارير الواردة من باكستان وسريلانكا (نمور التاميل) وغيرها من الصراعات الآسيوية أن المنطقة لم تكن بمنأى عن هذه الظاهرة.
في أمريكا اللاتينية، جندت القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) مئات الأطفال الريفيين على مدى عقود، بعضهم اختُطف وبعضهم خُدع. ووفقًا لإحصاءات الحكومة الكولومبية الرسمية، فإن 60% من بين حوالي 6000 طفل جندي أُطلق سراحهم في وقت واحد كانوا أعضاءً في فارك. بعد اتفاقية السلام لعام 2016، تعهدت الجماعة بإطلاق سراح جميع أعضائها دون سن 18 عامًا، وحوكم القادة المسؤولون عن الجرائم المرتكبة ضد الأطفال أمام محكمة السلام الخاصة، في واحدة من الأمثلة النادرة في العالم للعدالة الانتقالية التي تُعنى تحديدًا بالأطفال.
على الرغم من أن وسائل الإعلام تستخدم أحيانًا مصطلح “إرهابيو الحفاضات” لجذب الانتباه، فإن القانون الدولي يعترف بهؤلاء الأطفال كـ”ضحايا” وليس “إرهابيين”. تحظر اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري بشأن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة المشاركة المباشرة للأشخاص دون سن 18 عامًا في الأعمال العدائية، وتؤكد بوضوح أنه ليس للجماعات المسلحة غير الحكومية أي حق في تجنيد الأطفال أو استخدامهم بأي شكل من الأشكال.
يُعرّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية “تجنيد أو استخدام الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا في الأعمال العدائية” بأنه جريمة حرب، وهو بُعدٌ أدى إلى إدانة قادة المتمردين في قضايا مثل لوبانغا وأونغوين. تُحمّل هذه القواعد، عن حق، المسؤولية كاملةً للمخططين والقادة والجهات الممولة والداعمة للأسلحة في هذه الجماعات؛ فالطفل البالغ من العمر 12 عامًا والمسلح بمسدس أو حزام ناسف، هو، من الناحية القانونية، الضحية الأولى والأولى لانتهاك جسيم لحقوق الإنسان.
وقد أشار المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقارير حديثة إلى أن الحرب “تنتهك فعلياً جميع الحقوق المكفولة في اتفاقية حقوق الطفل” وأن الدول – سواء كانت منخرطة في الحرب أو داعمة لها أو مراقبة لها – لديها التزام لا يمكن إنكاره بمنع هذه الانتهاكات وحماية الأفراد والتصدي لها.
لا يقتصر أثر العنف على الأطفال الذين يعانون من إصابات في ساحة المعركة فحسب، بل يمتد ليشمل صدمات نفسية عميقة. فقد أظهرت دراسات ميدانية أجريت على أطفال جنود سابقين من جيش الرب للمقاومة في أوغندا، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية في كولومبيا، وجماعات مسلحة أخرى في أفريقيا وآسيا، أن هذه الجماعات تعاني من معدلات مرتفعة للغاية من اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب الحاد، والكوابيس المتكررة، والسلوكيات الخطرة. وقد أُجبر العديد منهم على ارتكاب أفعال في طفولتهم لا يتسامح معها أي شخص بالغ، بدءًا من إطلاق النار على المدنيين وصولًا إلى العنف ضد أفراد أسرهم.
إضافةً إلى الصدمات النفسية، فإنّ النقص في التعليم والمهارات، والإقصاء الاجتماعي، بل وحتى وصمة “الإرهاب”، كلها عوامل تزيد من صعوبة عودتهم إلى الحياة الطبيعية. في نيجيريا، أفادت اليونيسف بأنّ الأطفال الذين أُطلق سراحهم من قبضة بوكو حرام يواجهون الشك والخوف في قراهم؛ إذ يخشى الناس من أن يكون الأطفال قد خضعوا لغسيل دماغ أو أنهم ما زالوا يشكلون خطراً محتملاً.
إن مثل هذا الرد هو جرح آخر في روح طفل تعرض بالفعل للإيذاء.
لهذا السبب، في النموذج الجديد لحقوق الإنسان، يُعتبر الطفل الجندي ضحيةً لا مجرماً؛ لذا ينبغي تجنب الملاحقة القضائية المباشرة، والتركيز بدلاً من ذلك على إعادة تأهيله ودمجه في المجتمع، مع تقديم القادة والمسؤولين إلى العدالة. وقد صُممت برامج مثل “أطفال لا جنود” وفقاً لهذا النهج، لحث الحكومات على إنهاء وجود الأطفال في القوات المسلحة.
لم تحظَ أي قضية من قضايا حقوق الإنسان بإجماع عالمي واسع النطاق مثل إدانة استخدام الأطفال في الحروب. فقد وصفت اليونيسف، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وعشرات المنظمات الأخرى، استغلال الأطفال من قبل داعش، وبوكو حرام، وحركة الشباب، وطالبان، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، وغيرها من الجماعات، بأنه “جرائم” و”فظائع متعمدة” في العديد من التقارير والبيانات.
من جهة أخرى، أظهرت أمثلة إيجابية – وإن كانت محدودة – أنه إذا توفرت الإرادة السياسية والموارد الكافية، يمكن كسر حلقة العنف. فقد أثبتت برامج إعادة تأهيل الأطفال المجندين في جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، وعودة أطفال القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) إلى مدارسهم في كولومبيا، ومشاريع الإدماج الاجتماعي في سيراليون وليبيريا، إمكانية إعادة تأهيل الأطفال المختطفين جزئياً، شريطة أن يحتضن المجتمع هؤلاء الأطفال مجدداً ويحاسب الجناة، لا الأطفال الضحايا.
ما الحل؟ ثلاثة محاور للقضاء على “إرهابي الحفاضات”
يقترح المحللون ثلاثة محاور رئيسية لمكافحة هذه الظاهرة:
- 1. ملاحقة الرؤساء والجهات الراعية
يُعدّ تجريم تجنيد الأطفال واستخدامهم صراحةً في القانون المحلي، والتعاون مع الآليات الدولية كالمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات وممارسة ضغوط سياسية ومالية على الجماعات التي تجند الأطفال للقتال، خطوات أولى. يجب على القادة والحكومات المتورطة في هذه الجريمة أن تدرك أنها ستُحاسب عاجلاً أم آجلاً على الصعيدين الوطني والدولي.
- 2. الوقاية من الجذور
يُسهم الفقر والظلم ونقص التعليم والتمييز العرقي والديني وغياب سيادة القانون في تجنيد الأطفال في الجماعات المتطرفة. فبدون مدارس آمنة، وفرص حقيقية للتعليم والعمل اللائق، ورسالة واضحة ترفض العنف في المجتمعات المتضررة من الأزمات، قد تُغري وعود أمراء الحرب الكاذبة المراهقين. ويُعدّ الاستثمار في التعليم والتنمية المحلية وبرامج التوعية بحقوق الطفل ركائز أساسية للوقاية المستدامة.
- 3. إعادة التأهيل والعودة إلى الحياة
إن إنقاذ طفل من جماعة مسلحة ليس نهاية المطاف، بل هو بداية الطريق. فبرامج العلاج النفسي طويلة الأمد، والتعليم الإصلاحي، والإرشاد الأسري، والتدريب المهني، وحملات مكافحة الوصم، كلها أمور ضرورية لعودة الطفل إلى حياته الطبيعية. وقد أظهرت تجارب كولومبيا وسيراليون وأوغندا أنه عندما ينظر المجتمع إلى الجندي الطفل السابق كضحية ويمنحه فرصة ثانية، تقل احتمالية عودة العنف في الجيل التالي.
وراء وصف “إرهابي الحفاضات” يقف طفل مختطف.
إنّ “إرهابي الحفاضات” ليس في نهاية المطاف مخلوقاً مثيراً للسخرية، بل هو صورة لطفل سُلبت منه طفولته؛ طفل أصبح، في قاموس أمراء الحرب، “جندياً” أو “قنبلة بشرية” أو “أداة دعائية”. إنّ الدفاع الحقيقي عن الأمن والعدالة يعني عدم السماح للأطفال بمعاناة هذا المصير؛ ويعني ملاحقة مرتكبي هذه الجريمة ومؤيديها بلا هوادة، واحترام الطفولة الضائعة في القرى النائية في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بقدر ما نُقدّر أمن مدننا.
طالما أن الأطفال يُنظر إليهم في صفوف داعش، وبوكو حرام، وحركة الشباب، وطالبان، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، وعشرات الجماعات الأخرى، فإن قضية “إرهابي الحفاضات” لم تُغلق؛ وحتى اليوم الذي يُطلق فيه سراح آخر طفل من هذه الدائرة، لا يمكننا الادعاء بأننا تعلمنا أي شيء حقًا من أقسى دروس العقدين الماضيين – حرب الأطفال.
توجد هذه الظاهرة المتمثلة في استخدام الأطفال في الحركات الإرهابية أيضاً داخل جماعة منظمة مجاهدي خلق الإرهابية الإرهابية. فقد عاد أبناء أعضاء المنظمة، الذين انفصلوا عن آبائهم خلال الثورة الأيديولوجية والطلاق القسري، ونشأوا في مدن أوروبية تحت إشراف أعضاء هذه الجماعة، إلى العراق، باستثناءات قليلة، وتم إطلاعهم على أعمال المنظمة الإرهابية.



