
يذكر التقرير أن وصول أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، إلى البيت الأبيض، كان بمثابة الضربة القاضية لما يُسمى “الحرب على الإرهاب” الأمريكية. ورغم أن خلفية الرئيس السوري المعلن ذاتيًا التكفيرية ليست خافية على أحد، فقد أصبح دونالد ترامب داعمًا قويًا لهذا التنظيم التكفيري سيئ السمعة التابع لتنظيم القاعدة.
دُقّت المسمار الأخير في نعش ما يُسمى بـ”الحرب على الإرهاب” الأمريكية بوصول أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، إلى البيت الأبيض. ورغم أن خلفية الرئيس السوري المُعلن ذاتيًا التكفيرية ليست سرًا على أحد، فقد أصبح دونالد ترامب داعمًا قويًا لهذا التنظيم التكفيري سيئ السمعة التابع لتنظيم القاعدة.
وفي هذا الصدد، صرّح رئيس موظفي البيت الأبيض لوسائل الإعلام قائلاً: “أُكنّ الاحترام لرئيس الحكومة السورية المؤقتة، وعلاقتي به جيدة. لقد مرّ جولاني بماضٍ صعب، وكلنا مررنا بماضٍ صعب”. وقد أثارت تصريحات ترامب بشأن أحد أكثر قادة القاعدة السابقين عناداً استياءً بين عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001.
أثار احتمال انضمام النظام السوري إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش موجة من التكهنات على المستويين الإقليمي والدولي. ويرى العديد من المحللين أن هذا التحول المفاجئ من جانب دمشق ليس عملاً عسكرياً لمواجهة فلول داعش، بل محاولة مدروسة لإعادة بناء العلاقات مع الغرب والخروج تدريجياً من عزلتها السياسية. وفي هذا السياق، تشير بعض التقارير إلى وجود اتصالات غير مباشرة بين مسؤولين سوريين وجهات أمريكية، بل وأوروبية، تهدف إلى إيجاد سبيل لإعادة تعريف دور سوريا في معادلات الأمن التي يسعى إليها حلف الناتو.
في غضون ذلك، تشير بعض المصادر الإقليمية إلى أن التقارب الأخير بين دمشق وواشنطن قد يكون مدخلاً لتطبيع العلاقات بين النظام السوري والنظام الصهيوني، وهو تطور قد يُفضي إلى تغيير في موازين القوى على محور المقاومة. ووفقاً لهذا الرأي، قد تطالب الولايات المتحدة بالسماح لها بالوصول إلى قواعد عسكرية على الأراضي السورية مقابل تنازلات سياسية واقتصادية لمراقبة التطورات على محور المقاومة، لا سيما على حدود لبنان والعراق. ورغم نفي المسؤولين السوريين لهذه الادعاءات، فإن مسار التطورات يُظهر أن تحركات دمشق الجديدة قد تتجاوز تداعيات مكافحة الإرهاب.
تغيير الوجه
أدى العنف الشديد والجرائم المروعة التي ارتكبتها الجماعات التكفيرية في ساحات القتال بسوريا إلى تشكيل تحالفات وائتلافات ضدها. وتماشياً مع هذا التوجه، خفضت الدول المتحالفة مع معارضي الأسد بشكل ملحوظ إرسال المعدات العسكرية والمساعدات المالية تحت ضغط الرأي العام. ومع فقدان ثقة الشعب، باتت الهزيمة النهائية للتكفيريين حتمية. وكان آخر معاقلهم في إدلب، شمال غرب سوريا، المكان الذي تحول فيه جولاني من تكفيري ملتزم بالسياسة الانتهازية. فمن خلال إعادة تأسيس الجماعة التي كانت تحت سيطرته، والتي تُعرف باسم “هيئة تحرير الشام”، والتعاون مع أنقرة، تبنى نهج الحكم الحديث، أي بناء المؤسسات والحكم التقني. وبالطبع، لم يخلُ هذا التحول الميكافيلي في موقف عضو القاعدة السابق من معارضين في صفوف الإرهابيين؛ فقد ألقت القوات التي كانت تحت قيادته القبض على التكفيريين الذين اتبعوا أساليب بن لادن والبغدادي الدموية، وقضوا عليهم.
بحسب جيروم درافن، الخبير البارز في الجماعات التكفيرية، فقد تحوّل هدف هيئة تحرير الشام من مجرد “جهاد” إلى بناء دولة. وقد ساعد كسب ثقة السكان المنكوبين بالحرب، والاستفادة من خبرة ضباط سابقين في جيش بشار الأسد، الجولاني على تهيئة نفسه، فكريًا وعمليًا، لتحقيق هدفه النهائي المتمثل في الاستيلاء على السلطة في سوريا. في الواقع، استخدم قائد القاعدة السابق أي عمل، حتى ما يتعارض مع مبادئ التكفير، للحفاظ على سيطرته على ما تبقى من أنقاض الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.
في خدمة أمريكا
شكّل انهيار النظام السياسي لبشار الأسد وسيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق بدايةً لمسيرةٍ صعبةٍ لحكم جولاني الاستبدادي. فالأكراد في الشمال الشرقي، والعلويون على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والدروز في جنوب البلاد، لا يؤمنون بالتغيير الجذري الذي يُجريه جولاني، وقد ثاروا ضد حكمه عدة مرات، وهي انتفاضاتٌ قمعتها قوات الأمن الدمشقية بوحشية، وأدت إلى إراقة دماءٍ واسعة النطاق. وهكذا، اتجه الرئيس السوري المُعلن ذاتيًا نحو الخضوع لواشنطن.
يأمل جولاني أن يُزيل دعم دونالد ترامب شبح المقاتلين الصهاينة، ووحدات حماية الشعب الكردية، والمقاتلين العلويين. وفي هذا السياق، دخل توماس باراك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والممثل الخاص للبيت الأبيض لشؤون سوريا، إلى المعادلة الإقليمية كمنقذ لدمشق، لكن هذا الدعم لا يخلو من توقعات متبادلة. فبحسب وكالة رويترز، يُبدي المسؤولون الأمريكيون اهتمامًا بإنشاء قاعدة مراقبة قرب دمشق.
بغض النظر عن إمكانية تسليم القاعدة والتعاون الاستخباراتي مع واشنطن، يعتبر ترامب نظيره السوري “محاربًا” مثله. في ذهن الرئيس الأمريكي، تُضاهي صفقاته العقارية في مانهاتن ولاس فيغاس تفجيرات وقتل زعيم هيئة تحرير الشام. كان رئيس البيت الأبيض عضوًا في نخبة نيويورك “الحديثة” في ثمانينيات القرن الماضي، وربما يرى الوضع نفسه حول جولاني، الوافد الجديد إلى عالم السياسة.
ماضٍ مظلم
لا تزال جهود أبو محمد الجولاني لتغيير صورته موضع تساؤل، حتى من قبل مؤيدي ترامب. وقد أجرى رئيس وفد هيئة تحرير الشام من واشنطن العاصمة مقابلة حصرية مع شبكة فوكس نيوز المحافظة. ورغم قربه السياسي من البيت الأبيض، لم يتردد المذيع في مهاجمة الرئيس المعلن ذاتيًا لدمشق.
سأل مراسل قناة فوكس نيوز جولاني عما إذا كان يشعر بأي ندم على هجوم القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي الذي أودى بحياة أكثر من 3000 أمريكي. فأجاب زعيم النظام السوري، وهو يركض للأمام: “كنت في التاسعة عشرة من عمري آنذاك، صغيرًا جدًا، ولم يكن لي أي دور في صنع القرارات الرئيسية. لذا تتحدثون عن الأمر بروح الدعابة”.
إن تصريحات الجولاني ما هي إلا محاولة لصرف الانتباه عن حقيقة أن هذا العضو البارز السابق في تنظيم القاعدة لعب دورًا فعالًا في العمليات الإرهابية ضد قوات مشاة البحرية الأمريكية والطائفة الشيعية العراقية. بعبارة أخرى، فإن رغبة الجولاني في الوصول إلى السلطة بعد الهزائم المتتالية للجماعات السلفية الجهادية في غرب آسيا قد مهدت الطريق لتوافقه الأيديولوجي مع واقع الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، كما أن حب زعيم جبهة تحرير الشام للوقوف على عرش السلطة في سوريا هو الدافع وراء تحول الشاب البالغ من العمر 19 عامًا في 11 سبتمبر 2001.



