
بحسب وكالة أنباء تسنيم ، فإن قرار الحكومة البريطانية الأخير برفع اسم “هيئة تحرير الشام” من قائمة المنظمات الإرهابية ليس مجرد حدث سياسي، بل هو دليل واضح على التناقض الجوهري والنفاق البنيوي للغرب في تعامله مع قضية الإرهاب في غرب آسيا. هذا الإجراء، الذي يُبرر تحت ستار “تغيير النهج الأمني”، يكشف في الواقع النقاب عن تغيير تعريف الإرهاب واستغلاله لأغراض سياسية من قبل القوى الغربية. ويُظهر تحليل هذا القرار بوضوح ثلاث رسائل رئيسية تستدعي دراسة متأنية.
الفصل الأول: التعريف المتغير للإرهاب ومزاعم انتهاك حقوق الإنسان
هيئة تحرير الشام هي نتاج مباشر لتنظيم القوى المتطرفة في سوريا، ولاعب رئيسي في العنف المستمر في البلاد منذ عقد من الزمان. وللجماعة تاريخ حافل بالجرائم المروعة، بما في ذلك عمليات القتل الطائفي المستهدفة، مثل تلك التي استهدفت آلاف العلويين في ريف حماة وأقليات دينية أخرى. ولم تكن الهيئة مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في شمال سوريا فحسب، بل تورطت أيضاً بشكل مباشر في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
إن شطب لندن لهيئة تحرير الشام من قائمتها السوداء للإرهاب يُظهر بوضوح أن مفهوم “الإرهاب” لدى الغرب ليس مفهوماً أخلاقياً أو قانونياً ثابتاً، بل هو مجرد تصنيف سياسي مؤقت يُمكن إعادة صياغته وفقاً لمتطلبات اللحظة. هذا التحول في التعريف يُبرز التناقض الصارخ بين الغرب وشعاراته العالمية بشأن حقوق الإنسان ومكافحة التطرف. فعندما تتحول جماعة ذات تاريخ من المجازر الجماعية من مجرمة إلى طرف قابل للتفاوض نتيجة لتغير في الظروف، ينهار جوهر ادعاءات الغرب بمحاربة الإرهاب دون قيد أو شرط. هذا التناقض يُضعف بشكل كبير أي موقف غربي مستقبلي تجاه الأعمال العسكرية أو السياسية لجماعات أخرى.
الفصل الثاني: الوظيفية البحتة في التبادل الإقليمي بين الأقران
الرسالة الثانية التي تبرز من هذه الخطوة هي الطبيعة الوظيفية البحتة للسياسة الخارجية الغربية تجاه الفاعلين الإقليميين. فإبقاء جماعة ما على القائمة السوداء أو رفعها منها لا يعتمد على أدائها الداخلي، بل على مدى توافقها مع خطة القوى الغربية لإدارة المنطقة. وبعد سنوات من القتال المتقطع وقمع الجماعات المنافسة، باتت هيئة تحرير الشام تُعتبر قوة استقرار وردعاً ضد قوات الدول أو الخصوم الإقليميين الغربيين (مثل إيران وحلفائها).
في هذا المنظور النفعي، لا تكمن الأهمية في أيديولوجية الجماعة، بل في فعاليتها في تحقيق الأهداف الجيوسياسية للولايات المتحدة وأوروبا. يشير هذا النهج إلى أن الأولوية الرئيسية للغرب ليست الديمقراطية أو إرساء العدالة، بل إدارة استمرار الأزمة بما يضمن مصالحه الاستراتيجية، ولا سيما أمن الكيان الصهيوني والسيطرة على موارد الطاقة. أما الجماعات التي تنتقل من مرحلة “التهديد” إلى مرحلة “الأصول القابلة للاستخدام”، فيتم تطهيرها ونزع شرعيتها بسرعة لدخول الساحة السياسية.
الفصل الثالث: الممثلون وراء الكواليس واستراتيجية إدارة انعدام الأمن
نادراً ما يتخذ الدبلوماسيون المحليون القرارات الرئيسية المتعلقة بالجماعات ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل هيئة تحرير الشام؛ بل هي نتاج حسابات استراتيجية طويلة ومتوسطة المدى من قبل أعداء الاستقرار الإقليمي الرئيسيين. وينبغي النظر إلى هذا الإلغاء كجزء من استراتيجية معقدة لإدارة الوضع الراهن في سوريا. لا تسعى هذه الاستراتيجية إلى إنهاء الحرب، بل إلى إرساء توازن قوى مواتٍ يُمارس فيه الضغط على الجهات الفاعلة المستقلة والمقاومة الإقليمية.
لطالما كانت قرارات الغرب مصحوبة بدوافع استراتيجية. فإزالة هيئة تحرير الشام تهدف إلى تسهيل نقل الموارد والمساعدات المالية والمعلومات إليها، ما يُمكّنها من توسيع نطاق النفوذ الغربي في بلاد الشام كمنطقة عازلة جيوسياسية. وهذه أداة فعّالة تتماشى مع المصالح طويلة الأمد لأعداء المنطقة. لذا، يجب أن يأخذ أي تحليل في الحسبان الحقيقة المُرّة المتمثلة في أن “القانون” و”التعريف” في معادلات الغرب ليسا سوى سلاحين يُستخدمان لمهاجمة الخصوم وحماية مصالحهم في ساحة المعركة. هذا التناقض بمثابة تحذير خطير لدول المنطقة بشأن الطبيعة الحقيقية لتفاعلها مع الغرب.



