شتاء في شتاء
جمعية للدفاع عن ضحايا الإرهاب -هذا النص هي رواية عن ضحية الإرهاب، كلرخ مهري و حياتها.

كلرخ مهري
بسم الله الرحمن الرحيم
ركب شاب وشابة السيارة مع طفلهما الصغير وخرجا للتسوق. كان الشتاء، والهواء البارد يخترق العظام. غطت الأم الشابة طفلها الصغير بملابس دافئة، لكنها كانت لا تزال قلقة من أن البرد لن يخترق جسد طفلها الحبيب. لكن الطفل رأى كل شيء جميلًا في عالمه الطفولي، وركزت عيناه على البالون الأحمر الذي بين يديه. لم يكن ينطق الكلمات بشكل صحيح بعد، لكنه حاول بصمت أن يُظهر سعادته لوالديه.
كان الوالدان الشابان يقودان السيارة في شوارع المدينة مع طفلهما البالغ من العمر عامًا ونصف لشراء منزل. اشترى صاحب المنزل سيارة بمدخراته وزيادة راتبه التي حصل عليها من ترقيته الوظيفية، وتمكن من تحسين جودة حياتهما. كانا يبذلان قصارى جهدهما للنجاح في الحياة وتوفير التسهيلات اللازمة لطفلهما الحبيب، وبهذه الطريقة، من خلال كسب رزق حلال، كانا يسعيان إلى إنجاب طفل صالح للمجتمع.
انخفضت حرارة هواء الشتاء البارد داخل مقصورة السيارة. لم تكن المدفأة قادرة على تدفئة الهواء، لكن دفء وجود هذه العائلة ملأ المكان بدفء الحب والحنان.
تحدث الزوجان الشابان قليلاً عن مستقبل طفلهما. كانت الأم، وهي خير من رزق طفلتها، تذهب لتتصدق عليها وتُلقي عليها القصائد. كانت ابتسامة رضا ترتسم على شفتي الأب، وأثناء القيادة، كانا يحمدان الله ألف مرة على هذه الزوجة وهذا الطفل. تسوقا في عدة نقاط. في صخب الشوارع وضوء مصابيح الشوارع، كانت عينا رامتين تلمعان، وكان يلعب بالبالونات فرحًا وضحكًا عاليًا.
في هذه الأثناء، خرجا من السيارة في نقطة أخرى للذهاب للتسوق. فجأة، هبت ريح باردة في ظلمة الليل، فسمع عويلها بين أغصان الأشجار العارية في الشارع.
رامتين، الصبي الصغير المرح، أطلق بالونه الأحمر. لم ترحمه الريح، وانتزعته من قبضته وحملته إلى السماء. رامتين، الذي لم يفهم معنى التخلي عنه، حزن على ترك بالونه له وهبوطه في السماء. لم يصدق أن بالونه الأحمر قد تركه وشأنه. بكى وشعر بالقلق. حاولت الأم، التي أدركت لتوها اختفاء البالون، مواساته، لكن رامتين كان يرغب بشدة في بالونه الأحمر. نفدت صبر الأم من قلق الطفل، وفكرت في أنها ربما تستطيع إحضار بالون آخر له، لكن قلق رامتين كان من نوع مختلف؛ كان كما لو أن قلبه امتلأ بشيء آخر، وبدا الآن فارغًا.
ذهب الأب إلى شارع زرادشت لشراء بقية الأغراض. ازداد الجو ظلمةً وبرودةً، وكان عليهم العودة إلى منازلهم بأسرع وقت ممكن؛ للراحة وللذهاب إلى العمل مبكرًا في اليوم التالي، ولأن البرد كان أشد في ليالي الشتاء وأثار فيهم شعورًا أعمق بالحرقة.
كانوا في منتصف شارع زرادشت عندما كشفت الحياة فجأةً عن وجهٍ آخر لهذه العائلة؛ وجه الشيطان الأسود. من ظلمة الليل، دوى انفجارٌ رهيب، فسمعت العائلة رنين أجراسٍ كثيرة، مما أدى في النهاية إلى صمتٍ أشبه بالغيبوبة. ساد الصمت المكان، واختفى المكان والزمان والجاذبية فجأة. حملت الأم الشابة طفلتها بين ذراعيها، وشعرت أنها في عالمٍ حالمٍ غامض. لم تفهم بعد ما يحدث، وظنت أنها تسافر في السماء والفضاء.
لكنها شعرت فجأةً بحركةٍ في يديها، وأعادها صوت بكاء رامتين بين ذراعيها إلى وعيها. لم تكن تدري أين هي. فجأةً، اخترق الألم جسدها كله. حاولت أن تضم طفلتها بقوة بين ذراعيها. أرادت النهوض، لكنها لم تشعر بساقيها. لم تكن تعلم ما حدث، لكنها أرادت أن تحمل طفلها وتغادر؛ لكن لم يكن هناك أي قوة في جسدها. فجأة، رأت زوجها على الجانب الآخر، بجرح عميق في رأسه وشيء يضربه؛ كان الدم يتدفق منه. كان كل شيء غامضًا وغير واضح لدرجة أنها لم تستطع الرد. كان رامتين بين ذراعيها وحاولت احتضانه بقوة؛ أخبرتها غريزة الأمومة أن هذه هي الطريقة التي يمكنها من خلالها حماية طفلها.
جاء الناس لمساعدتهم، ولكن بعد فوات الأوان، وعانت هذه العائلة الدافئة واللطيفة من البرد القارس لمجموعة مكروهة في الشتاء القارس؛ ألم سيطاردهم لبقية حياتهم ويغير وجوههم إلى الأبد.
بعد أيام، في المستشفى، أدركت الأم الشابة أنها لن تتمكن من الوقوف على قدميها مرة أخرى. لم يكن لديها أي قدرة على الحركة سوى يديها ورأسها، ولم يتبق شيء لجسدها. ولكن الأسوأ من ذلك أنها فقدت شريك حياتها؛ من كان من المفترض أن يكون سندها وسند طفلها لسنوات طويلة، رحل فجأةً في حادثٍ مريرٍ لا يُصدق. من بين كل الذكريات الجميلة التي صنعتها له، لم يبقَ سوى رامتين.
بعد أشهرٍ من العلاجات العقيمة لاستعادة الحد الأدنى من الصحة والقدرة على المشي، فشلت النتائج وفقدت حركتها إلى الأبد. في مثل هذه الحالة، لم يتبادر إلى ذهنها سوى سؤال واحد: لماذا؟ ما منطق هؤلاء المجرمين؟ لماذا حرموا طفلةً من أن يكون لها أب؟ لماذا دمروا قصة حياة شابةٍ كانت تحلم بأن تكون مع زوجها وطفلها في شبابها، وحكموا عليها بالجلوس على كرسيٍّ متحرك؟ لماذا حرموا طفلةً صغيرةً من نعمة الأب، وآلافٍ من التساؤلات الأخرى التي لم تُجب عنها.
مرت السنوات، ومرت واحدٌ وأربعون عامًا على ذلك التاريخ. لم يبقَ لرامتين ووالدته من أبيهما وزوجهما سوى إطار صورةٍ باهت، ولم يجدا إجابةً لجبن بعض عديمي الضمير. لم يكن أمامهما خيارٌ سوى الصبر وترك الأمر لله. انضمت الأم العجوز إلى والدها دون أن تجيب.